محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
25
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
الخمصة « 1 » بطونهم من كسب الحلال ، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم ، وإن خطبوا المتنعّمات لم ينكحوا ، وإن غابوا لم يفتقدوا ، وإن حضروا لم يدعوا ، وإن طلعوا لم يفرح بطلعتهم ، وإن مرضوا لم يعادوا ، وإن ماتوا لم يشهدوا . قالوا : يا رسول اللّه ، كيف لنا برجل منهم ؟ قال : « ذلك أويس القرني » قالوا : وما أويس القرني ؟ قال : أشهل « 2 » ذو صهوبة « 3 » ، بعيد ما بين المنكبين « 4 » ، معتدل القامة ، آدم شديد الأدمة « 5 » ، ضارب بذقنه إلى صدره ، رام بنظره إلى موضع سجوده ، واضع يمينه على شماله ، يتلو القرآن ، يبكي على نفسه ، ذو طمرين ، لا يؤبه له ، متزر إزار صوف ورداء صوف ، مجهول في أهل الأرض ، معروف في أهل السماء ، لو أقسم على اللّه لأبرّ قسمه ، ألا وإن تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء ، ألا وإنه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد ادخلوا الجنة ، ويقال لأويس القرني : قف فاشفع ، فيشفّعه اللّه في مثل عدد ربيعة ومضر ، يا عمر ، ويا علي إذا إنتما لقيتماه فاطلبا إليه يستغفر لكما يغفر اللّه لكما . . . ) « 6 » وذكر باقي الحديث . وفي حديث آخر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : يكون في أمتي رجل يقال له : « أويس القرني » يدخل في شفاعته عدد ربيعة ومضر ، لو أقسم على اللّه لأبرّه ؛ فمن لقيه بعدي فليقرئه مني السلام ، ثم سئل عن علامته ، فقال : هو رجل أصهب ، أشهل ، ذو طمرين أبيضين ، له أمّ ، وقد كان به بياض ، فدعا اللّه عز وجل فأذهبه عنه إلا مقدار الدينار أو الدرهم ؛ لا يؤبه له ؛ مجهول في الأرض معروف في السماء ، وكان قد بلغ من شدة خموله ونهاية ضعفه أن الناس كانوا يسخرون منه ويستهزئون به ، ويؤذونه ، ويرون فيه أهلية الخداع والتلصص ، وينسبونه إلى ذلك ، فقد روى في ذلك ، أنه دفع إليه بعض فقهاء الكوفة ثوبين وكان يجالسه فانقطع عن مجالسته لأجل العرى ، فردهما عليه بعد أن أخذهما منه ، وقال : إن الناس يقولون : من أين له هذان الثوبان ، ترى من خدع عليهما ، وكان في ذلك يجالس الفقهاء ويظهر للناس ، وذلك قبل أن يعرف برفعة القدر ، وجلالة الخطر ، وتنويه عمر رضي اللّه عنه به على المنبر ، فلما رأى أن الناس عرفوا حاله ، هرب عنهم ، واستخفى منهم ، ولبّس أمره عليهم برعاية الإبل ، وغير ذلك » .
--> ( 1 ) خمص البطن : خلا وضمر . ( 2 ) الأشهل : من كان في عينه شهلة والشهلة : أن يشوب البؤبؤ حمرة أو زرقة . ( 3 ) الصّهبة : حمرة أو شقرة في شعر الرأس . ( 4 ) المنكب : مجتمع رأس الكتف والعضد ، أو ما بين الكتف والعنق ( ج ) مناكب . ( 5 ) الأدمة : السمرة . ( 6 ) أخرجه ابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 3 / 166 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 8 / 124 ) .